لم تعد قوة الدول تُقاس بما تملكه من معدات عسكرية فحسب، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا واستخدامهما في الوقت المناسب. ففي عالم تتغير فيه طبيعة التهديدات بسرعة، أصبح الاستثمار في العلم جزءًا أساسيًا من حماية الأمن القومي وتعزيز استقلال القرار.
حروب تتغير أدواتها
أدخلت التكنولوجيا وسائل جديدة إلى ميادين الصراع، من الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار إلى الاتصالات المتقدمة وتحليل البيانات. وأتاحت هذه الأدوات تنفيذ مهام معقدة بكلفة وموارد قد تختلف كثيرًا عن الوسائل التقليدية، كما فرضت تحديات جديدة على الدول في مجالات الرصد والحماية والاستجابة.
ومع هذا التغير، لا يكفي امتلاك التكنولوجيا أو استيرادها؛ فالدول تحتاج أيضًا إلى خبرات قادرة على فهمها، وتقييم مخاطرها، وتطوير وسائل مناسبة للتعامل معها. وكلما زادت القدرة المحلية على البحث والتطوير، تحسنت فرص بناء حلول تتوافق مع احتياجات الدولة وإمكاناتها.
البحث العلمي استثمار طويل الأمد
تطوير التقنيات لا يحدث بقرار سريع أو عبر مؤسسة واحدة. فهو يعتمد على منظومة متكاملة تجمع الجامعات ومراكز الأبحاث والقطاع الصناعي والجهات المعنية، وتوفر التمويل والتجهيزات والبيئة التي تسمح بتبادل الخبرات وتحويل الأفكار إلى تطبيقات قابلة للاستخدام.
ويحتاج هذا المسار إلى رؤية واضحة تحدد الأولويات، مثل تطوير أنظمة الرصد والاتصالات، ورفع كفاءة الأمن السيبراني، وتحسين حماية البنية التحتية، ودعم التطبيقات المدنية التي يمكن أن تخدم قطاعات متعددة. كما يتطلب تقييمًا مستمرًا للنتائج، حتى يذهب الدعم إلى الأبحاث الأكثر صلة بالاحتياجات الفعلية.
الكفاءات الوطنية أساس التقدم
تمتلك مصر طاقات بشرية في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا، لكن الاستفادة من هذه الطاقات تتطلب أكثر من التعليم الأكاديمي. يحتاج الباحث إلى فرص للعمل في مشروعات حقيقية، وتمويل مستقر، ومختبرات مناسبة، ومسار مهني يقدّر الخبرة والابتكار.
ومن المهم كذلك بناء جسور بين الباحثين داخل مصر وخارجها، وتشجيع نقل المعرفة وتبادل الخبرات. فتهيئة بيئة جاذبة للعلماء والمهندسين تساعد على الاحتفاظ بالكفاءات، وتزيد قدرة المؤسسات على تطوير حلول محلية بدل الاعتماد الكامل على الخارج.
التعاون بين المعرفة والتطبيق
تظهر قيمة البحث العلمي عندما يصل إلى تطبيق عملي. لذلك ينبغي أن تعمل الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات والمؤسسات العامة ضمن شراكات واضحة، بحيث تُترجم الأسئلة والتحديات إلى مشروعات بحثية، ثم تُختبر نتائجها وتُطوّر قبل اعتمادها.
ويتطلب ذلك احترام المعايير العلمية، والشفافية في تقييم المشروعات، وحماية الملكية الفكرية، وتوجيه الاستثمار نحو بناء المعرفة والقدرات على المدى الطويل. فالتقدم المستدام لا يقوم على شراء المعدات وحدها، بل على امتلاك الخبرة اللازمة لتشغيلها وصيانتها وتطويرها.
العلم ركيزة للأمن والتنمية
الاستثمار في العلوم لا يخدم المجال الأمني فقط؛ فالمعرفة والتكنولوجيا تمتدان آثارهما إلى الصناعة والاتصالات والصحة والطاقة والتعليم. وكلما تعززت القدرة على البحث والابتكار، اتسعت فرص التنمية وازدادت قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والتغيرات العالمية.
إن بناء مستقبل أكثر أمنًا يبدأ من دعم الإنسان والمؤسسات التي تنتج المعرفة. فالعلم ليس خيارًا تكميليًا، بل ركيزة من ركائز القوة الوطنية، وأحد الشروط المهمة لمواكبة عالم تتغير تحدياته وأدواته باستمرار.